فوزي آل سيف
73
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
في مقابل ذلك ينبغي للمصلحين والهادفين أن يتحركوا باتجاه قمع سَورة الحقد، والتربية على التواصل مستهدين في ذلك بالتعليم القرآني والتهذيب الأخلاقي (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).[151] و" بالرغم من أنّ بعض المفسّرين قد حدّد مفهوم هذه الآية بمجموعة من الأشخاص الذين التحقوا بالمسلمين بعد انتصار الإسلام وفتح مكّة، إلاّ أنّه لا يوجد دليل على هذه المحدوديّة الخاصّة بل تشمل جميع المسلمين إلى يوم القيامة، وعلى فرض أنّ هذه الآية ناظرة إلى فئة خاصّة، إلاّ أنّها عامّة من حيث الملاك والمعيار والنتيجة".[152] فالمؤمنون ينبغي أن يترحموا على من سبقهم بالإيمان سواء من حيث الزمان أو من حيث شدة الالتزام، وبالنسبة لمن يعاصرهم الإنسان المؤمن فإنه يدعو ربه ألّا يجعل قلبه متشحنا عليهم، وألّا تكون الأسباب البسيطة داعية للحقد، فإذا اختلفت معه في النظر أو في طريقة العمل، بل حتى في العقائد فلا ينبغي أن يكون ذلك دافعا للحقد عليه. نعم في الموارد التي يجب بغض أشخاص من الناحية الدينية، كبعض من لعنهم الله وأمر بلعنهم (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)،[153]فأول ما ينبغي أن يقال إن هؤلاء ينبغي أن يُبغضوا ويكرهوا لا لحظ النفس والمشاعر الداخلية وإنما أن يكون ذلك في الله، ولذلك فإن المدح والثناء الذي ورد إنما هو لمن يحب في الله ويكره في الله.. لا لأنّه يريد ذلك، أو لأن أهواءه النفسية تسوقه إليه. بل ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قام عن قتل عمرو بن عبد ود، لأنه شتمه أو بصق، فحتى لا يكون في قتله إياه أي شائبة من الانتقام للنفس والكراهية والحقد الذاتي، وإنما أن يكون كل عمله لله، قيل إنه قام عن قتله ومشى قليلا ثم عاد وأجهز عليه. وبالنسبة للمنحرفين وأشياع الضلالة ينبغي أن يواجهوا في الوسط الاجتماعي بغير الترحيب، إذا كان ذلك يؤدي الى ردعهم عن المنكر. ففاعل المنكر والناشر له ينبغي أن يبغض فعله ولا يصح أن ينشأ تطبيع بين المؤمن وبين المنكر، إن الزنا زنا و(فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا).[154]لا تقُلْ هو حرية شخصية. بل هو عمل محرم، تم توصيفه من الله عز وجل بأنه فاحشة والزاني لو كان يتأثر ببغضنا إياه ومقاطعتنا له بسبب هذا الذنب فيجب فعل ذلك من باب النهي عن المنكر. لكن ينبغي أن يكون هذا بحساب. الحساب ما هو؟ ما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عسى أن يكون بغيضك يوما ما وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عسى أن يكون حبيبك يوما ما "[155]؛ بمعنى أن المواقف إنما تتشكل بحسب صورة الشخص فاليوم هو مثال للسوء والمنكر ينبغي أن يبغض المنكر الذي يحمله، وأن يقاطع هذا الشخص، لكن هذا الأمر ليس (خرسانة مسلحة) لا تتغير، وإنما بتغيره وصلاحه وتوبته ينبغي استقباله في المجتمع المؤمن ومحض الحب له والترحيب به، فالموقف يجب أن يكون هادفا ومحسوبا، وليس حاقدا وأعمى!
--> 151 ) الحشر: 10 152 الشيرازي؛ الشيخ ناصر مكارم: الأمثل في تفسير الكتاب المنزل 18 /194 153 ) البقرة: 159 154 ) الاسراء: 32 155 الهيثمي؛ الحافظ علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد 8/ 88